الجاحظ
208
رسائل الجاحظ
وهذا المذهب لمن ينتحل طريقتنا ، ويدعي زعمه سبيلنا ، جور شديد ، ومذاهب قبيحة ، وتقرب فاحش . [ 6 - يجب محاربة المشبهة نصرة للدين ] وليس ينبغي لديان أن يواد من حاد اللّه ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم . فمتى إذن تزول التقية ، ويجب إظهار الحق والنصرة للدين ، والمباينة للمخالفين ؟ ! أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقل ناصره ، ويزول جميع الخوف ويكون على يقين من السلامة . وكيف يكون القائم منا بالحق مطيعا ، وللّه معظما ؟ ! فقد سقطت المحنة وزالت البلوى والمشقة . وهل المعصية إلا ما مازجه الهوى والشهوة ، وهل الطاعة إلا ما شابه المكروه والكلفة ، وكيف يكلف ما لا مئونة فيه ، وكيف يحمد ما لا مرزئة عليه . وكيف يكون مصير من أقدم في الأمن ، وتكمن في الخوف ، أو ليست النار محفوفة بالشهوات ، أو ليست الجنة محفوفة بالمكاره . وكيف صاروا في باطلهم أيام مضرتهم أقوى منا في حقنا أيام قدرتنا . [ 7 - أهل التشبيه ما زالوا كثرا ] وقد علمت - أرشد اللّه أمرك - أن التشبيه وإن كان أهله مقموعين ومهانين وممتحنين ، فإن عدد الجماجم على حاله ، وضمير أكثرهم على ما كان عليه ، والذين ماتوا قليل من كثير . ونحن لا ننتفع بالمنافق ، ولا نستعين بالمرتاب ولا نثق بالجانح ، وإن كانت المبادأة قد نقصت فإن القلوب أفسد ما كانت . [ 8 - أهل التشبيه يلجئون إلى الجدل عندما يئسوا من القهر بالعوام والولاة ] وقد كانوا يتكلون على السلطان والقدرة ، وعلى العدد والثروة ، وعلى طاعة الرعاع والسفلة ، فقد صاروا اليوم إلى المنازعة أميل ، وبها أكلف ، لأنهم حينما يئسوا من القهر بالحشوة والسفلة ، وبالباعة ، وبالولاة الفسقة ، وقلوبهم ممتلئة